محمد حسين الذهبي
296
التفسير والمفسرون
وعقائدهم في غالب مسائل الكلام ، فإنا نجد صاحبنا لا يميل إلى القول بمبادئهم بل ونجده يرد عليهم ، ويعارضهم معارضة شديدة في كثير من المواقف . فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 55 ) من سورة البقرة « وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً . . . الآية » يقول ما نصه : ( . . . وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم ؛ لأنهم طلبوا ما لم يأذن اللّه به من رؤية الدنيا . وقد ذهبت المعتزلة ومن تابعهم إلى إنكار الرؤية في الدنيا والآخرة . وذهب من عداهم إلى جوازها في الدنيا ، ووقوعها في الآخرة . وقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن العباد يرون ربهم في الآخرة ، وهي قطعية الدلالة ، لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة ، وزعموا أن العقل قد حكم بها ، دعوى مبنية على شفا جرف هار ، وقواعد لا يغتر بها إلا من لم يحظ من العلم بنصيب نافع . . . « 1 » اه . كذلك نراه يرد على الزمخشري في دعواه : أن دخول الجنة مستحق بسبب العمل الصالح ، فيقول عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 43 ) من سورة الأعراف « . . . وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » ( . . . قال الكشاف : بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقول المبطلة اه . أقول : يا مسكين . . هذا قاله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما صح عنه « سددوا وقاربوا واعملوا . إنه لن يدخل أحد الجنة بعمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » والتصريح بسبب لا يستلزم نفى سبب آخر ، ولولا التفضل من اللّه سبحانه وتعالى على العامل بإقداره على العمل لم يكن عمل أصلا ، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار لكان القائلون به محقة لا مبطلة . وفي التنزيل « ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ « 2 » » وفيه « فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ « 3 » » اه « 4 » ) .
--> ( 1 ) ج 1 ص 72 . ( 2 ) في الآية ( 70 ) من سورة النساء . ( 3 ) في الآية ( 175 ) من سورة النساء . ( 4 ) ج 2 ص 196